أحدث أخبار المدونين :

للإشتراك فى خدمة الحصول على أحدث الأخبار على الموبايل مجانا إضغط هنا

Friday, March 28, 2008
مدوّنو مصر و«مباحث الانترنت» ... لعبة القط والفأر لا تنتهي

القاهرة –أمينه خيرى - جريده الحياه

اسمه وائل عباس وينتمي قلباً وقالباً إلى «حركة المدونين»، وهو من أعتى المؤمنين بحتمية التغيير. جذوره ضاربة في ما كان يعرف بـ «الطبقة المتوسطة» المصرية، لكنه يكره جميع تلك المسميات. لم لا ونشاطه التدويني أدى إلى العدد الأكبر من المسميات التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. فهو «صاحب كليبات التعذيب»، وهو «المدون المستبيع» (الذي لا تعنيه كثيراً مسألة الخوف من الملاحقات الأمنية وما شابه) ومسميات أخرى كثيرة.

عمره 33 سنة، صاحب مدونة «الوعي المصري» الأشهر على شبكة الإنترنت بين المدونات المصرية، أو بالأحرى هي إحدى أكثر المدونات إثارة للجدال حيناً والهلع أحياناً. لا يجد صعوبة كبيرة في وصف نفسه، فهو ابن الطبقة المتوسطة، وإن كان يكره التسمية، ولا يستوعب النظريات القائلة بأن الطبقة المتوسطة هي الركيزة الأساس في المجتمعات الصحية. انتماءاته الفكرية والسياسية غير جامدة، فهو على قناعة ببعض من اتجاهات عدة: ليبرالية، إسلامية، واشتراكية، ولكنه «ضد الناصرية والقومية العربية على طول الخط»، ويقول: «أنا مع القومية المصرية على طول الخط».

مدونة «الوعي المصري» misrdigital.blogspirit.com التي هي «على مزاج صاحبها اللي ما بيشتغلش عند حد» فجرت العديد من «القنابل الإلكترونية» التي سرعان ما انتقل لهيبها إلى الإعلام التقليدي الفضائي والمقروء، ومنه إلى شتى فئات المجتمع المصري، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى عدم ارتياح أمني تجاه صاحب المدونة، وما ينتج من ذلك. وبالنسبة إلى عباس فهو يحكي عن مكالمات هاتفية يتلقاها من «أشخاص» تتراوح فحواها بين الترغيب والترهيب، كقول المتحدث انه «مثل أخيه الأكبر الذي يخاف على مستقبله ويدعوه إلى التخلي عن الطريق الذي يسير فيه وإلا..»!. ويحكي أيضاً عن «بائع البطاطا المشوية» المتجول الغريب الذي يظهر عند ناصية الشارع عقب كل تدوينة «حامية» يكتبها وتثير ردود فعل واسعة.

وبلهجة العارف ببواطن الأمور وسبل المضايقات التقليدية وغير التقليدية، يقول عباس: إن اعتقال عدد من المدونين في أعقاب اعتصام القضاة قبل سنتين كان علامة فاصلة في مسار المدونين المصريين المعنيين في الشأن المصري، يقول: «بعدها ظهر من يطالب بحجب عدد من المدونات والمواقع الإلكترونية «إنها تسئ إلى سمعة مصر، ووثيقة الفضائيات هي طريقة أخرى من طرق التكبيل، والحكم بحبس رؤساء تحرير صحف مستقلة، وما يقال عن وجود مباحث خاصة بالإنترنت وكلها وغيرها طرق لمناهضة حرية التعبير والحصول على المعلومات ونشرها والتي أتاحتها الشبكة الإلكترونية».

عباس الحاصل على بكالوريوس في الأدب الإنكليزي يدون «لأن المصريين في حاجة إلى توعية بحقوقهم وواجباتهم، وبالوضع السياسي، وبالحكومة، وأشياء كثيرة. ولأننا عاطفيون ومن السهل الضحك علينا بكلمتين كانتا في ما مضى وطنيتين، ثم أصبحتا دينيتين، فإننا رضخنا للخوف وفضلنا السكوت تحت مسميات مختلفة».

ويبدو أن وائل عباس، بحكم انخراطه في الشارع وتفاعله واهتمامه بكل ما يحدث فيه، شعر بأن له دوراً قد يساهم في «التغيير». يقول : «في البداية كانت «الوعي المصري» جريدة أسبوعية إلكترونية، ثم لاحظت أن الشارع عامر بكم هائل من الفعاليات المنتمية إلى تيارات شتى و لا تحظى بتغطيات إعلامية من أي نوع فقررت خوض هذا المجال، وبدأت أحاول أن أعبر عما أراه في الشارع».

لكن شهرة «الوعي المصري»تنبع من أحداث لم تجر في الشارع، بل في أماكن مغلقة لم يكن أحد يتخيل أن يظهر من يجرؤ على مجرد التحدث عن «الأشياء» التي تحدث فيها. لقب «صاحب كليبات التعذيب» الذي اكتسبه عباس يعود إلى تلقيه مقاطع مصورة لما يقال إنها أحداث تعذيب لمواطنين في أقسام الشرطة. قضية «عماد الكبير» الذي خضع لتعذيب واعتداءات على أيدي رجال أمن كانت فاتحة هذه الكليبات، لا سيما أن مقطع الفيديو تطور ليصل إلى ساحات المحاكم ليحكم فيها لمصلحة الكبير. يؤكد عباس أنه يتلقى مثل هذه المقاطع، ودوره يتلخص في تحميلها على مدونته. لكن لماذا هو بالتحديد؟ يبتسم ويقول بثقة: «لأني بجح».

كلمات ليست حمقاء

وإذا كان وائل عباس عرف بـ «صاحب كليبات التعذيب»، فإن مالك مصطفى معروف بـ «المدون الذي فضح تحرشات وسط القاهرة الجنسية». مالك صاحب مدونة «مالك إكس» malek-x.net نموذج مختلف تماماً عن عباس. هو من أبناء مدينة الإسكندرية، عمره 26 سنة، يحمل درجة ليسانس الآداب في الفلسفة وهو التخصص الذي اختاره بمحض إرادته لكن اكتشف في ما بعد «أنه كذبة كبيرة شانه شأن التعليم برمته». يدون ليس أملاً في التغيير، ولا بحثاً عن وسيلة شخصية لـ «الفضفضة». يقول بكل صراحة: «أعتقد بأنني كنت سأصاب بالكثير من العقد النفسية لولا هذه المدونة التي أبث فيها كل مشاعري. أدخل المدونة لأبعبع (أقول كل ما يجول في خاطري بغض النظر عن فحواه)». وكان مصطفى من «أشبال الإخوان المسلمين» حتى سن الرابعة عــشرة «لكني اعــتزلت لأني أردت أن أعيش فترة مراهقة طبيعية وأتمتع بها إلى أقصى درجة».

الغريب أن فكرة «التمتع» هذه تسيطر على تفكير مصطفى حتى في أحلك الظروف، فهو يحكي عن تفاصيل اعتقاله في الشارع قبل سنتين بسبب اعتصامات القضاة. يحكي وابتسامة عريضة على وجهه عن بنطلونه الذي انقطع أثناء تعرضه للضرب في الشارع، ثم الـ45 يوماً التي أمضاها في الحبس، والرؤى الجديدة التي اطلع عليها من خلال تعامله مع الآخرين وتجربة إضرابه عن الطعام التي جعلته يشعر وكأنه تلقى جرعة قوية من المخدر، وغيرها من التجارب التي نظر إليها كلها من المنظور الإيجابي».

يقول مصطفى: «كنت قبل دخولي السجن إسلامياً من المنتمين إلى حزب الوسط. كنت راديكالياً بشعاً. لكني خرجت بعد ما تحللت من هذه الأفكار التي تتيح لصاحبها حق الحكم على الآخرين، وهو ما يولد دائرة القمع التي وقعنا كلنا فيها». ولا يترك مصطفى الحديث عن تجربة الاعتقال بسهولة، فهو يقول: إن الذين ينكسرون في مثل هذه التجارب هم أصحاب الشخصيات الصلبة، «ومن هنا أيقنت أن المرونة أمر مطلوب، كما أن الشتيمة لا تلتصق بصاحبها».

وعلى رغم تأكيد مصطفى الدائم والمستمر أنه لا يبغي اية فتوحات أو اعتراف بانتصارات من خلال مدونته، إلا أن الصور التي حملها على المدونة والشهادات التي كتبها في شأن حوادث التحرش الجنسي جلبت له هذا النصر «غير المرجو»، شأنها في ذلك شأن شهادته في أحداث فتنة طائفية في كنيسة مار جرجس في حي مــحرم بك في الإســكندرية، اذ كان من أوائل من شاهدوا ما حدث وبدأ يدون على الفور. فقد حققت له هاتان الحادثتان نصراً «غير مرجو».

وعلى رغم الاختلاف الواضح بين عباس الذي يعتبر نفسه جزءاً من حلقة المدونين المصريين ومصطفى الذي يعتبر نفسه فرداً يدون من جانب وناشطاً سياسياً في جانب آخر، إلا أنهما يتلاقيان في الاتفاق على حجم التغيير الذي طرأ في المجتمع المصري في السنوات الثلاث الماضية. يقول عباس: إن على رغم «أن العملية «نايمة» نسبياً في عالم التدوين حالياً، إلا أن أحداً لا يستطيع إنكار الدور المحرك والفعال الذي أنجزته لتغيير الكثير من الأوضاع القائمة وتحريك الناس». من جهة أخرى، يقول مصطفى: إن حركة «كفاية» – التي كان أحد ناشطيها - حركت المياه الراكدة على رغم تفتتها الحالي.

كما يتفق الإثنان على تقويمها لوضع الشباب المصري. يقول عباس: «أعرف خريج كلية تجارة يعمل في بيع الألبان، وطبيباً يعمل نادلاً، ومحامياً يعمل في محل بقالة. الأجيال التي سبقتنا خانتنا، كانوا يرون كل شئ ويفهمون ما يجري، لكنهم فضلوا السكوت أملاً بأن يكون الوضع الراهن أفضل مما تخبئه لهم الأقدار. الجميع يتهم الشباب حالياً بأنهم غارقون في البانجو والفيديو كليب وإذا كان هذا صحيحاً فهو محاولة لإسكاتنا ومنعنا من الكلام. ليس هذا فقط، بل إن من يتحدث معنا دائماً يفعل ذلك بتعال». أما مصطفى فيرى نفسه محظوظاً لأن مستوى أسرته المادي أتاح له نعمة الكوبيوتر والإنترنت قبل سنوات. هذه الفرصة للأسف لم تكن متاحة لكثيرين غيره، وهو ما أضاع عليهم فرصة اغتنام هذا الباب المعرفي الذي يؤدي إلى التفاعل مع مجريات الحياة من حولهم.

ويتفق الإثنان أيضاً على أن المدون الوحيد الذي حكم عليه بالسجن بسبب ما كتبه على مدونته هو عبد الكريم عامر الذي حكم عليه بالسجن بتهمة ازدراء الدين وإهانة رئيس الجمهورية. ويوضحان أن الملاحقات الأمنية التي يتعرض لها عدد من المدونين (كلاهما تلقى طلبات استدعاء) لا تكون بسبب التدوينات نفسها، ولكن بسبب نشاط سياسي فعلي أو مشاركة في تظاهرة أو اعتصام أو دعوة الى فاعلية أو إضراب أو ما شابه.

وعن المستقبل، يقول عباس إنه يعتقد بأنه سيظل يعارض ويدون، ولكنه حالياً في فترة إعادة تقويم للمرحلة الماضية. وتمنى أيضاً أن يتزوج قريباً ويجد فرصة عمل مستقرة، وإن كان يواجه مشاكل عدة في هاتين الجزئيتين، إذ يؤكد أن أصحاب الأعمال التي كان فيها تعرضوا لضغوط للاستغناء عنه.

أما مصطفى فيرى نفسه مستمراً في نشاطه السياسي نصيراً لقضايا العمال يقدم لهم الدعم التقني واللوجيستي، إضافة إلى عمله مطور برامج. وعلى رغم حلمه بالزواج، إلا أنه لا يتمكن من العثور على شقة يسكن فيها. ويصمت برهة، ثم يقول بلهجة الحكماء: «حسبتها بالورقة والقلم، فأنا محتاج إلى ألف جنيه شهرياً لأدفع إيجار الشقة والفواتير وأكل العيش الحاف. كلمات غريبة؟ ربما. لكنها بالطبع ليست حمقاء.

Labels: